عبد الملك الجويني
423
نهاية المطلب في دراية المذهب
محاولة شرح فيها ، مع العلم بأن هذه الأسماء مشتركة ، وهذا مما تمس الحاجة إلى النظر فيه ، في أوائل المراتب إذا رفعت الوقائع إلى المفتين ، أو إلى الحكام . فأما المعسر ، فإن كان على رتبةٍ تستحق سهمَ المساكين ، فهو معسر ، ومن لا يملك شيئاً تستقر نفقةُ الزوجية في ذمته . ومن جاوز حد المسكنة ، فكيف السبيل فيه ؟ [ هل ] ( 1 ) نقول : هو من المتوسطين ؟ فإن قال بذلك قائل ، فليس على علم بالباب ؛ فإن الإنسان قد يخرج باكتسابه عن حد المسكنة ، إذا كان قادراً على تحصيل القوت يوماً بيوم ، ولست أرى مثل هذا الشخص من المتوسطين في نفقة الزوجات ، بل هو معسر [ ونفقتُه ] ( 2 ) نفقة المعسرين ، وهذا مما لا أتمارى فيه ، فأما إذا كان يخرج بملك مالٍ لا بقدرةٍ على الكسب عن حدِّ المسكنة ، فالذي أراه أنه في حد التوسط ، وإن كان على اقتدارٍ وتوسع في الاكتساب بحيث يَرُدُّ عليه الكسبُ - على يسرٍ - [ أضعافَ ] ( 3 ) ما يحتاج إليه ، فقد يتردد الفطن في هذا : أما إلحاقه بالموسرين ، فلا سبيل إليه ، وإنما تردد النظر في إلحاقه بالمتوسطين . وأنا أقول بعد هذا التنبيه : هو معسر ؛ فإنه يبعد تكليفه المزيد على قدر الحاجة بالاكتساب والله أعلم . وأما المتوسط الذي يملك ما يرقِّيه عن حد المسكنة ، فلي فيه نظر : فأقول : أرى المتوسط رجلاً يؤثِّر الإنفاق في ماله إذا زاد على الأقل الذي قدمناه ، فكأنه لو أخرج مُدَّين أوشك أن ينحط إلى الإعسار ، والموسر لا ينحط بمدّين إلى المتوسط فضلاً عن الإعسار ، وهذا يؤخذ من التشطير في المد ، حتى كأنه بإخراج الزائد ، وهو نصف مدٍ لا ينحظ إلى الإعسار ، وبإخراج المد يوشك أن ينحط إليه ، وأقرب المآخذ ما يداني الحكمَ ، فالحكمُ تشطير المد الزائد ، فليكن التوسط مأخوذاً منه . ومما يحق الاعتناء به أن اليسار لا ينظر فيه إلى المال فحسب ، بل يُضَمُّ إلى اعتباره
--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) في الأصل : بنفقته . ( 3 ) في الأصل : أصناف .